ads
ads

الأسئلة التي لم تجب عليها وثيقة حماس

القياديان بحركة حماس إسماعيل هنية
القياديان بحركة حماس إسماعيل هنية وخالد مشعل
فراس أبو هلال


كما كان متوقعا، أثارت وثيقة حماس السياسية التي صدرت قبل أيام عاصفة من الردود، بعضها يرحب ويمجد، وبعضها يشكك، وبعضها يخوِّف من مآلات تشبه الواقع الذي وصلت إليه حركة فتح بعد أكثر من نصف قرن على انطلاقها.
 
ردود الفعل طبيعية بالنظر إلى أهمية الحركة وحجمها، وهي دلالة على احتلال الحركة جزءا مهما من الفضاء السياسي والفكري في المنطقة، وهي أيضا دلالة جديدة على أهمية الصراع العربي الإسرائيلي لدى غالبية الشعوب العربية، إذ أن أي حركة أو حزب عربي- ربما باستثناء الحركات العابرة للحدود- لا يمكن أن يحظى إصدار وثيقة سياسة لها بهذا الحجم من الاهتمام والردود.
 
قدمت الوثيقة إجابات على بعض الأسئلة المهمة، لكنها بالمقابل فشلت في الإجابة على أسئلة لا تقل أهمية وخطورة، وهو ما جعل الكثيرين بما فيهم مؤيدو حركة حماس يغلبون المخاوف والحذر في تعاملهم مع الوثيقة، بدلا من الرضى.
 
ولعل أهم ما في الوثيقة هو إصدارها بحد ذاته، لأن ميثاق الحركة الذي أعلن عند انطلاقها في بداية انتفاضة 1987 كان نصا غير سياسي، بني على لغة دينية لحركة دعوية أكثر منها حركة مقاومة، وحوى لغة خطابية تفتقر للتحديد والسياسية، ولذلك فإن مجرد إصدار وثيقة جديدة هو أمر مهم، دون أن يعني ذلك أنها لم تحو مخاوف وعيوبا هي الأخرى، سنأتي على ذكرها لاحقا في هذا المقال وفي مقال قادم.

وفي إطار "تسييس" خطاب حركة حماس، تأتي أهمية التأكيد على أن الصراع العربي الإسرائيلي هو صراع مع محتلين صهاينة وليس مع أتباع الدين اليهودي، بعد أن أدركت الحركة خلال تجربتها السياسية وخصوصا بعد الحصار على غزة أن يهودا عبر العالم وقفوا مع الحق الفلسطيني، ورفضوا ويرفضون الاحتلال، بل ورفضوا الصهيونية كفكرة، وأن الصراع هو مع دولة الاحتلال بما هي مشروع استعماري في المنطقة العربية.
 
ومع ذلك، فثمة أسئلة مهمة لم تجب عنها الوثيقة ولا ناطقو الحركة الذين تحدثوا في الإعلام للدفاع عنها : 

السؤال الأول الذي لم يجب عليه: لماذا صدرت الورقة الآن وما الجديد فيها؟ فإذا كان كل ما في الورقة هو مبادئ قد أعلن عنها سابقا في أدبيات الحركة- وهذا صحيح- فما الجديد إذن؟ إن الجديد الوحيد هو أن المبادئ التي كانت جزءا من الممارسة السياسية للحركة خلال ثلاثين عاما تم تثبيتها الان في وثيقة سياسية تمثل مشروعا سياسيا لها، وهو الأمر الذي يحتاج لإجابة عن سر التوقيت وعلاقته بإكراهات اللحظة الراهنة والوضع الإقليمي البائس وخسارة الشعوب "لجولة" في معركتهم مع الثورات المضادة. 

إن الحركة التي تحظى وثيقة سياسية لها بكل هذا الاهتمام تحتاج لشفافية أكبر ووضوح و "تسييس" لإجابتها عن أسباب إصدار وثيقة لا جديد فيها جذريا سوى تثبيت مبادئ وأفكار قديمة لها.
 
أما الأسئلة الأكثر أهمية ولم تجب عليه الوثيقة، فهي تلك المتعلقة بالبند رقم 20 وهو البند الذي حظي باهتمام كبير في النقاش الإعلامي والسياسي وفي الفضاءات الإلكترونية، وذلك لأنه ذكر صراحة أن الحركة تتعامل مع قبول دولة في حدود 1967 هو محل توافق وطني.
 
نظر إلى هذا البند من قبل كثيرين باعتباره متناقضا لأنه جمع الأمر ونقيضه، فقبل بدولة على حدود 67 ولكنه رفض في الوقت ذاته الاعتراف بإسرائيل أو التخلي عن الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني في كامل ترابه الوطني، وهي وجهة نظر مشروعة، ولكنها تستبطن الموقف الدولي بدلا من الموقف النضالي، بمعنى أنها تفترض التناقض لأن "إسرائيل والعالم لن يقبلوا بإعطاء دولة في 67 بدون اعتراف بالاحتلال والتخلي عن فلسطين المحتلة عام 48".

بينما تجاهلت وجهة النظر هذه أن نضال حركة التحرر الوطني لا يجب أن يكون محددا سلفا باشتراطات المحتل أو المجتمع الدولي المؤيد له.

ومع ذلك فإن وثيقة حماس لم تجب على وجهة النظر التي ترى تناقضا في هذه المادة، وذلك لأن النص كان ركيكا (وهذه ملاحظة عامة على الوثيقة أيضا) ولم يحدد أن القبول بدولة على 67 هو حل مرحلي، وهو تحديد كان يمكن أن ينهي التناقض في المادة 20.
 
ثمة رأي آخر يرى في هذا البند محاولة لاقتفاء مسار حركة فتح، وهو مسار جرب وفشل، والحقيقة أن الوثيقة كان يجب أن تكون واضحة في الرد على هذا التساؤل بالتفريق بين النضال الوطني لتحقيق الأهداف الثابتة التي لا تتغير وبين البرنامج المرحلي الذي يتحسس موازين القوي الحالية، ولكنها فشلت في ذلك.

وبهذا المعنى فإن المقارنة بين الوثيقة وبين برنامج النقاط العشر تجعل الكفة لصالح النقاط العشر، الذي نص بشكل واضح أنه برنامج للعمل المرحلي.

وعلى الرغم من ذلك، فإن القطع بأن التشابه في بدايات الحركتين سيفضي حتما إلى نفس المآلات هو قطع في غير محله، فالحركتان تختلفان في بنيتهما وفي طبيعة الأيدولوجيا المؤسسة لهما، كما أن الظروف الدولية والمناخ السياسي مختلف في التجربتين، وبالتالي فإن وجود مخاوف من تكرار المسار لا يعني أنه تكرار حتمي.
 
وثيقة حماس الجديدة إذن تحمل بعض التطور في صياغة أدبيات للحركة تترجم التطور في الممارسة السياسية لها، ولكنها في نفس الوقت عجزت عن الإجابة على بعض الأسئلة، وتركت الباب مفتوحا لمخاوف الكثيرين من مسار فتحاوي جديد، ثبت فشله.

نقلًا عن "عربي 21"