ads

مصر بعد «التعويم».. موجة تضخم جديدة و«الإفلاس» يهدد المصانع والاستيراد لـ«الكبار فقط»

تعويم الجنيه - أرشيفية
تعويم الجنيه - أرشيفية
هاجر محمد - حنان جابر


في نوفمبر من العام الماضي، قرر البنك المركزي تحرير سعر صرف الجنيه، وهو القرار الذي يعد واحدًا من الإجراءات التي اتخذتها الحكومة ضمن برنامج لإصلاح الاقتصاد الذي يعاني منذ 6 أعوام؛ بسبب الاضطرابات السياسية والأمنية التي شهدتها مصر عقب ثورة يناير 2011.


وترصد «النبأ» في السطور التالية، تأثير قرار التعويم على سعر الجنيه، ومستقبل سعر الصرف، ومصير السوق السوداء، ومدى نجاح التعويم في جذب الاستثمارات بالإضافة إلى وضع الأسواق والتجارة بعد مرور عام على القرار.


موجة تضخم جديدة في الأسعار

تشهد السوق المصرفية بعد مرور عام على قرار «تعويم الجنيه»، حالة من الترقب والتساؤلات حول سعر الدولار في البنوك، ولاسيما في ظل موجة التضخم والتي نتج عنها ارتفاع كبير في أسعار جميع السلع والخدمات.


وفي هذا السياق، قال الدكتور شريف الدمرداش، الخبير الاقتصادي، إن قرار «التعويم» له آثار سلبية، ولعل أهمها ارتفاع معدلات التضخم، مشددًا على أهمية امتصاص الآثار التضخمية؛ ليشعر المواطن بتحسن واستقرار الحالة الاقتصادية.


وأضاف «الدمرداش» في تصريحات خاصة لـ«النبأ»، أن سعر الدولار في البنوك الحالي «مبالغ» فيه؛ وهو الأمر الذي يجعل انخفاضه قبل نهاية 2017 ضرورة، متابعًا: «وهذا أيضًا ليس السعر العادل للجنيه أمام الدولار».


وتوقع «الدمرداش» استمرار ارتفاع سعر الدولار في البنوك عند 17.60 جنيه، في ضوء الوضع الحالي في القطاع المصرفي، مؤكدًا ضرورة زيادة عجلة الإنتاج وعودة السياحة وزيادة تحويلات المصريين في الخارج، خلال عام 2018 ليصل الدولار إلى 16 جنيهًا، وهذا سيحدث في سنتين على الأقل.


وأشار «الدمرداش» إلى أن التعويم ساهم بشكل كبير في القضاء على السوق السوداء، مضيفًا: «الذي يثبت ذلك أن السعر يزيد عن البنك بفارق بين 5 إلى 10 قروش وليس كما كان يحدث في الماضي الذي وصل فيه الفرق إلى 3 جنيهات على الأقل».


وأوضح الخبير الاقتصادي، أن السوق المصرفي يشهد انخفاضًا في الطلب على الدولار من قبل المستوردين بعد «التعويم»؛ ما تسبب في ضعف القوة الشرائية للمستهلك.


ومن جانبه، قال الدكتور أسامة عبد الخالق، الخبير الاقتصادي، إن قرار «تعويم الجنيه» جاء من صندوق النقد الدولي المعروف بقسوة اشتراطاته على الدول النامية، لافتًا إلى أن القرار تسبب في انخفاض دخل المواطنين وارتفاع مستوى الفقر.


وأضاف «عبد الخالق» في تصريحات خاصة لـ«النبأ»، أن الدولار ارتفع بشكل كبير؛ بسبب قرار «التعويم»، متوقعًا ارتفاعه خلال الفترة المقبلة بنسبة 10%  على الأقل، وهو ما يعني ظهور موجة تضخم جديدة في الأسعار بمصر.


وتابع: «السوق السوداء موجودة ولكنها أصبحت تعمل في سرية، وبحاجة إلى رقابة شديدة من الحكومة المصرية، لاسيما بعد أزمة قلة الدولار التي يهدف منها لتقليل حجم الاستيراد لتخديم على المنتج المحلى وهو الأمر الذي يزيد نشاط  السوق السوداء».


وتوقع «عبد الخالق»، استمرار أزمة قلة الدولار، قائلًا: «مشكلة توفير الدولار طبيعية وخاصة أنه كان شحيحًا في السوق المصري وحينما يتدخل صندوق النقد فإنه لا يتدخل لصالح الدولة ولكن وفق شروط ومصالح معينة للدول المتقدمة».


وأشار الخبير الاقتصادي، إلى أن القرار ستظهر نتائجه على المدى الطويل، ولكن المتوسط والقصير سيظل الشعب المصري يعاني منه حتى يحصد ثماره.


فيما قال إيهاب الدسوقي، رئيس قسم الاقتصاد بأكاديمية السادات، إن سعر الدولار في البنوك، سيظل مستقرًا على المدى القصير لن يحدث به أي تغيير، مضيفًا: «ولكن المدى الطويل سيتوقف على زيادة الاستثمار الأجنبي والصادرات والسياحة».


وأضاف الخبير الاقتصادي في تصريحات خاصة لـ«النبأ»، أنه كان لا بد أن يتخذ، قائلًا: «التعويم أحدث تغييرًا جذريًا في القضاء على السوق السوداء، إذ أصبح التعامل الطبيعي لتغيير العملات في القطاع المصرفي بين مواطنين والبنوك».


وأشار «الدسوقي»، إلى أن آثار قرار التعويم بعد عام من تطبيقه معظمها كانت سلبية، ولكن له أثر إيجابي، وهو إكساب مصر مناخًا جيدًا لجذب الاستثمارات بعد توحيد سعر الدولار.


الاستثمارات تدخل «النفق المظلم».. و«الإفلاس» يهدد المصانع

قالت الحكومة إن قرار «تعويم الجنيه» الهدف منه جذب مزيد من الاستثمارات، إلا أن المؤشرات في الواقع تؤكد ضعف الوضع الاقتصادي، ولاسيما أنه لا يوجد استثمارات مباشرة جادة تم ضخها حتى الآن، بالإضافة إلى ضعف عجلة الإنتاج والصناعة، وعدم وصول التصدير إلى المستوى المطلوب؛ لزيادة حصيلة مصر الدولارية.


وفي هذا السياق، قال الدكتور وائل النحاس، محلل أسواق المال، إنه لا يوجد شيء إيجابي بالفعل حدث منذ «التعويم» حتى الآن، متابعًا: «الاستثمارات المباشرة لم تأت مصر حتى الآن بالرغم من انتظارها قرار التعويم للتخلص من وجود سعرين للدولار، بجانب تراجع دخل الأفراد وتأخر الحالة الاجتماعية للمواطنين».


وأضاف «النحاس» في تصريحات خاصة لـ«النبأ»، أن التعويم تسبب في إغلاق عدد من المصانع، قائلًا: «المصانع التي تعتمد على العمالة أصبحت تعاني حاليًا من عدم وجود عمالة نتيجة وقوعها بين سعر السلعة النهائية وبين تكلفة المنتج والمواد الخام والكهرباء وهو الأمر الذي يدفعها إلى الإغلاق  بدلًا من السير في اتجاه الإنتاج».


وأشار «النحاس» إلى أن هناك عددًا من شركات المقاولات والمقدرة بألف و500 شركة أعلنوا إفلاسهم بسبب كثرة الديون بعد التعويم، بجانب توقف أكثر من 90% من الشركات عن الاستيراد، فضلًا عن انخفاض نسبة الصادرات.


وأوضح «النحاس»، أن الاستيراد انخفض بسبب القيود التي وضعتها وزارة التجارة والصناعة، على الواردات وليس نتيجة للتعويم، مضيفًا: «تسبب ذلك في توقف تعامل البنوك الصينية مع المكاتب المصرية، بعد إخلالها بالاتفاقيات وهو الأمر الذي أدى إلى تحول الاستيراد من قطاع رسمي إلى قطاع غير رسمي».


وأكد محلل أسواق المال، أن الاستقرار الحالي في سعر الدولار في البنوك مؤقت، ولن يستمر طويلًا، متوقعًا رجوع السوق السوداء مرة أخرى في الربع الأول من عام 2018.


في المقابل، قال مصطفي بدرة، أستاذ التمويل والاستثمار، إن أهم مميزات تحرير سعر الصرف، هو القضاء على سوق السوداء، ووجود سوق مواز يتحكم في عمليات الصناعة والتجارة والتصدير، وهو الأمر الذي يشجع الإقبال على المنتج المحلي.


وأضاف في تصريحات خاصة لـ«النبأ»، أن المؤشرات الاقتصادية الأساسية تؤكد زيادة الميزان التجاري ومعدلات النمو والإنتاج والتصدير عن العام الماضي بنسبة تتراوح في المتوسط بين 20 إلى 30% في كل القطاعات، ما عدا قطاع السياحة نظرًا للظروف التي مرت بها مصر من حوادث إرهابية.


وأشار «بدرة»، إلى زيادة الاستثمارات غير المباشرة من أذون الخزانة والبورصة المصرية في المتوسط بنسبة لا تقل عن 200 أو 300%، أما بالنسبة للاستثمارات المباشرة من البنية التحتية والمشروعات زادت أيضًا بنسبة جيدة.


وأوضح أستاذ التمويل والاستثمار، أنه بالرغم من ذلك هناك تحد أمام الدولة خلال الفترة المقبلة هو زيادة الصناعة لنملك القدرة التنافسية مع الدول الأخرى وخاصة مع انخفاض نسبة الاستيراد بنسبة إلى 50%، قائلًا: «وهو أمر إيجابي ويشجع على التصدير والتصنيع المحلي».


بدوره، قال مختار الشريف، أستاذ الاقتصاد بجامعة المنصورة، إن الحكومة تأخرت في تنفيذ قرار التعويم، مشيرًا إلى أن الدولة بدأت في جني ثماره وهو ما توضحه المؤشرات الاقتصادية المحلية  والعالمية.


وأضاف في تصريحات خاصة لـ«النبأ» أن أحد المؤشرات الجيدة للتعويم زيادة الاستثمارات الأجنبية بحوالي 8 مليارات دولار، متوقعا استمرار زيادتها في الفترة المقبلة، بجانب التحسن في الميزان التجاري، ونظام المدفوعات.


وأوضح «الشريف»، أن الأوضاع الاقتصادية في مصر ستشهد تحسنًا بمنتصف أو آخر عام 2018، متابعًا: «ولكن لا ننكر أن التعويم أثر على المواطن البسيط، بسبب ارتفاع قيمة الدولار أمام الجنيه وهو ما تسبب في ضعف القوة الشرائية للمستهلكين».


الركود يضرب التجار والمستوردين.. والاحتكار والخسائر سيد الموقف

يعيش التجار والمستوردون في مصر، أزمة حقيقية بعد «قرار التعويم» والذي تسبب في حالة من الركود وشبه توقف في حركة البيع والشراء على مستوى جميع القطاعات، خاصة بعد ارتفاع سعر الدولار إلى أكثر من الضعف، وهو الأمر الذي أدى إلى ضعف القوة الشرائية للمستهلك وخسائر كبيرة للتجار.


وفي هذا السياق، قال أحمد شيحة، عضو شعبة المستوردين بالاتحاد العام للغرف التجارية، إن قرار تعويم الجنيه أثر بشكل كبير على قطاع الاستيراد، لافتًا إلى أن الاستيراد أصبح الآن شبه متوقف.


وأضاف في تصريحات خاصة لـ«النبأ»، أن الاستيراد أصبح للكبار فقط، وأغلب المصانع والشركات الصغيرة توقف تسجيلها لدى وزارة التجارة والصناعة بعد القرار.


وأشار «شيحة»، إلى أن التعويم أثر بشكل غير مباشر على التجارة والصناعة  ومباشر على المستهلك، موضحًا أن أسعار جميع السلع ارتفعت بشكل مبالغ فيه.


وأوضح أن سعر الدولار تضاعف بعد التعويم، إذ ارتفع من 8.88 جنيه إلى 17.60 جنيه في البنوك خلال الفترة الحالية، مشيرًا إلى أن نسبة الارتفاع وصلت إلى 120%.


وأكد عضو شعبة المستوردين، أن ارتفاع سعر الدولار في البنوك، تسبب في زيادة الأسعار والخدمات على المستهلكين بنسبة تتراوح بين 200 إلى 250%.


وأوضح عماد عابدين، سكرتير شعبة البقالة والمواد الغذائية، بالاتحاد العام للغرف التجارية، أن الأسواق تشهد حالة من الركود بعد «التعويم»، وصلت إلى 40%، وهو الأمر الذي أجبر التجار على خفض أسعار سلع المواد الغذائية بعد ضعف القوة الشرائية لدى المستهلكين.


وأضاف في تصريحات خاصة لـ«النبأ»، أن أسعار المواد الغذائية ارتفعت خلال العام الماضي بنسبة تتراوح بين 3% إلى 5%، نتيجة الركود بالرغم من ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل والكهرباء.


وأشار «عابدين»، إلى أنه بالرغم من استقرار الأسعار منذ فترة طويلة إلا أن حركة البيع والشراء ضعيفة جدًا، على مستوى جميع القطاعات.


وتوقع سكرتير شعبة البقالة والمواد الغذائية، انخفاض أسعار السلع الغذائية الأساسية «زيت وسكر وأرز» مع بداية العام الجديد، وخاصة سلعة السكر، ولاسيما بعد انخفاضها أسعارها عالميًا.


وبدوره، قال يحيى الزنانيري، رئيس شعبة الملابس الجاهزة بالغرف التجارية، إن  قرار التعويم أثر بشكل سلبي على أسعار الملابس، ما أدى إلى انتشار حالة من الركود في الحركة التجارية بالسوق.


وأوضح في تصريحات خاصة لـ«النبأ»، أن أسعار الملابس المستوردة ارتفعت من 100 إلى 150%، أما  الإنتاج المحلي فزاد من 80 إلى 100%  في ظل ضعف القوى الشرائية للشعب المصري.


وأضاف الزنانيري، أن قرار التعويم أحدث  خسائر كبيرة  للتجار وصلت من 30 إلى 40%، متابعًا: «حاولنا عمل أوكازيونات في محاولة لتلافي الخسائر ولكن نتائجها كانت محدودة».


وعن الآثار الإيجابية لـ«قرار التعويم» على قطاع الملابس، أشار إلى أن القرار ساهم إلى حد كبير في تقليل الملابس المستوردة في السوق المصري بنسبة 30% وهو ما أعطى فرصة جيدة للمصانع المصرية  للإنتاج والعمل، كما أدى إلى زيادة الصادرات المصرية، بنسبة 15%.


وتوقع رئيس شعبة الملابس، استمرار حالة الركود في سوق الملابس، خلال الفترة المقبلة، ما لم يطرأ أي شيء خلال الفترة المقبلة في الأوضاع السياسية أو الاقتصادية.