ads

رياح سبتمبر

محمد سعد عبد الحفيظ
محمد سعد عبد الحفيظ
محمد سعد عبدالحفيظ


أخبرنى صديق صحفى أنه وبعد سماعه خطاب الرئيس السيسى الأخير سيطرت عليه مشاعر الخوف للدرجة التى رجع فيها إلى مقال كان قد جهزه للنشر فى إحدى الصحف، فحذف منه بعض الجمل، وهذب البعض الآخر، واستبدل كلمات بأخرى، وأعاد النظر أكثر من مرة قبل إرساله للنشر.

«لم تمر علينا مثل هذه المشاعر منذ يوم موقعة الجمل، عندما أوشك حلم الثورة والتغيير وبناء الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة أن يُجهض تحت حوافر الجمال والخيول والبغال التى اقتحمت ميدان التحرير منتصف يوم 2 فبراير 2011»، قال الكاتب الصحفى بعد أن تملكه الأحباط.

رسائل الخوف التى أشاعتها كلمات السيسى صباح الأربعاء لم يخص بها «أهل الشر» الذى اعتاد أن يذكرهم فى خطبه من إرهابيين وتكفيريين، بل موجهة إلى القوى التى دعت إلى مقاطعة الانتخابات الرئاسية احتجاجا على عدم توافر ضمانات النزاهة والتنافسية، بحسب ما نقله صحفيون قريبون من دوائر صنع القرار سمعوا الكلمات من داخل القاعة.

ما أكد هذا التصور أن كتائب الإعلاميين الذين لا ينطقون عن الهوى بل هو وحى يوحى من جهات بعينها، اتهموا أصحاب دعوات المقاطعة بـ«الانقلاب على الدستور»، وهو ما يستدعى مساءلتهم.

أول رسائل السيسى تأكيده على عدم تكرار ما حدث قبل سبع سنوات «اللى حصل من سبع تمن سنين مش هيتكرر تانى فى مصر.. اللى منجحش ساعتها هتنجحوه دلوقتى؟»، فى إشارة إلى ثورة يناير التى اعتبرها الدستور الذى أقسم الرئيس على احترامه «ثورة فريدة بين الثورات الكبرى فى تاريخ الإنسانية»، والتى لولاها ما أصبح السيسى رئيسا.

بلهجة حادة وجه السيسى رسالة أخرى إلى «السياسيين بتوع الكلام» ينفى فيها عن نفسه صفة السياسى «لا.. انتو باين عليكو متعرفونيش صحيح.. لا والله أمنك واستقرارك يا مصر تمنه حياتى.. أنا.. وحياة الجيش.. محدش يفكر يا جماعة يدخل معانا فى الموضوع ده لأن أنا مش سياسى.. أنا مش سياسى بتاع الكلام.. لا.. أنا عمرى ما كنت اتكلمت بالطريقة دى.. لكن واضح ان الناس مش واخدة بالها».

الرئيس وصل إلى منصبه عبر آليات سياسية، فترشحه فى انتخابات 2014 كان فعلا سياسيا، والقرارات التى اتخذها من تكليف حكومات وعزلها ورسم السياسة العامة للدولة أو التصديق على القوانين أو المعاهدات والاتفاقيات كلها أمور سياسية، فضلا عن أن قرار ترشحه فى الانتخابات الرئاسية المنتظرة قرار سياسى، إذن فالسياسة ليست مجرد كلام.

من أخطر ما ذكر السيسى فى ذلك الخطاب هو استدعاؤه مرة أخرى لـ«التفويض» لو استدعى الأمر لمواجهة من وصفهم بـ«الأشرار».. «أى حد يفكر إنه يقرب منها لا لا.. أنا هقول للمصريين انزلوا تانى وادونى تفويض قدام الأشرار.. أى أشرار.. هطلب منكم تفويض تانى لأنه هيكون فيه إجراءات أخرى ضد أى حد يعتقد انه ممكن يعبث بأمنها وإحنا موجودين»، الكلمات الأخيرة حملت تلويحا بتهديد كل من سولت له نفسه وانتقد ما شاب الانتخابات الرئاسية المزمع إجراؤها فى مارس المقبل من إجراءات أفقدتها جديتها ونزاهتها، بحسب تفسير عدد من المراقبين.

قبل أربع سنوات كان من المقبول أن يطلب وزير الدفاع الفريق أول عبدالفتاح السيسى تفويضا لمحاربة الإرهاب، فالبلد كله كان يمر بظرف استثنائى، لكن بعدها بشهور كلف المصريون السيسى عبر صناديق الاقتراع بممارسة صلاحيات نص عليها دستور لم يرد فيه ذكر لأى تفويضات استثنائية.


الكلمة التى استدعت مشاعر الخوف والترقب، حملت رياح سبتمبر التى مرت بها مصر عام 1981، عندما أراد الرئيس أنور السادات قمع المعارضين لاتفاقية كامب ديفيد، فصورهم فى خطاب بمجلس الشعب على أنهم فئة تسعى إلى إشعال فتنة، وانتهى الأمر إلى اعتقال نحو 1500 معارض منهم سياسيون وأكاديميون وكتاب وصحفيون وعزل البابا شنودة ونفاه مع عدد من الأساقفة إلى دير وادى النطرون.


أجواء الخوف لا تصنع دولا، وإغلاق المجال العام وحصار الحريات السياسية والإعلامية ووأد البدائل لا يضع قواعد للاستقرار، وانسحاب الدولة من لعب أدوارها الاجتماعية يفتح ثغرات لعودة «أهل الشر».


نقلًا عن«الشروق»